محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

110

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

ولهذا السبب نقول بأن دراسة مجتمعات الكتاب السماوي لا تستطيع أن تتحاشى تفحّص المصير الحقيقي للّعبة المعقدة الكائنة بين المفاهيم التالية وذلك في كل مرحلة من مراحل تطوّرها التاريخي . لنعدد الآن هذه المفاهيم : 1 - هل الكتاب السماوي يستمر عبر السياقات الاجتماعية - الثقافية الأكثر تنوعا في الاضطلاع بهذه الوظيفة الفوق تاريخية أو التي تتجاوز التاريخ ؟ أقصد الوظيفة المعتبرة بمثابة إسهامه الفريد الذي لا يختزل إلى أي شيء آخر والذي يتمثّل في المحافظة على طرح السؤال الخاص بالمعنى النهائي والأخير . أم على العكس إنه يترك نفسه تنحلّ في قراءات ظرفية عارضة أو عابرة ؟ « * » 2 - هل القراءات أو التفاسير التي أثارها الكتاب السماوي يمكن اختزالها إلى مجرد الإيديولوجيات المكلّفة بإضفاء المشروعية على عمل ومصالح الفئات التي تنتسب إليها ؟ أم أنه يمكننا أن نجد في بعضها حرصا أساسيا على التوصل إلى المعنى النهائي والأخير والنصّ عليه ؟ 3 - أخيرا ، كيف يمكننا أن نقرأ العلاقة بين الوضع التاريخي للإنسان ، والوساطة المحتومة للّغة من أجل الاضطلاع بهذا الوضع ، ثم الحنين الجارف والعنيد إلى المعنى النهائي والأخير ؟ هذا الحنين الذي كان دائما قد عبّر عن نفسه من خلال الشوق للانصهار بالكينونة والرغبة الحارقة في البقاء والخلود « * * » . إن ضخامة المسائل التي أثرناها آنفا تبيّن لنا إلى أي مدى يمكن للدراسة المعمّقة لظاهرة الوحي أن تشكّل وسيلة نافعة لتنشيط الفكر الإسلامي من جديد ولجعله ينخرط في المناقشات الكبرى لعصرنا أو يشارك فيها . ينبغي عليه أن يقوم بعمليات نزع الأسطرة ، ونزع التزييف ، ونزع الأدلجة عن كل تركيباته الفكرية والعقائدية السابقة . ويتعين عليه التأكيد من جديد على راهنيّة وآنيّة حدوسه أو استبصاراته الكبرى ، وكذلك راهنيّة بعض محاولاته المجهضة وأسلوبه في الشهادة على الكينونة . هذه هي ، في نظرنا ، المهام الكبرى الملقاة على عاتق إعادة قراءة القرآن . وهذه القراءة الجديدة ينبغي أن تشكّل عملا مرنا من أعمال التضامن التاريخي سواء مع الأجيال الماضية أو مع الأجيال الجديدة لأبناء عصرنا .

--> * المقصود بهذا الكلام : المعنى النهائي والأخير للوجود والكون ، أو للحياة والإنسان . فالكتب المقدسة تتحدث عن هذا المعنى وتعتبر أنه يتمثل في الحياة الآخرة ، حياة الأبدية والخلود ، لا الحياة الدنيا ، العابرة والزائلة بطبيعتها . * * نفهم من كلام أركون هنا أن المعنى النهائي والأخير يهدف إلى تحجيم خطر الموت أو حتى تحييده نهائيا . وهنا تكمن الوظيفة الأساسية للدين : فهو يعد بحياة أخرى بعد الموت ، حياة أكثر خلودا وبقاء . وبالتالي فلم يعد الموت فناء عدميا .